الأم المفجوعة؛؛؛؛؛؛ بقلم الاستاذ نايف ثامر الكعبي
الأم المفجوعة
نايف ثامر الكعبي
دخلت مركز شرطة سلمان باك مترددة وجلة وعلى وجهها نقاب من الحزن.لقد قتل
المجرمون أولادها الشبان الأربعة في تلك الليلة الليلاء قبل عدة أشهر،قتلوهم ببشاعة ورموا بجثثهم الطاهرات في نهر دجلة. أبدى أهل القرية تعاطفهم معها لا سيما نقيب المركز يوسف وأفراد شرطته. يتذكرها الضابط جيدا, كانتْ تجلس أمام بستانها,قبيل الحادث وتعرض أواني اللبن لتبيعه.يلمحها وهو متوجه إلى واجبه في المركز وفي ليلة ألقتْ دورية المركز القبض على عصابة فأوعز الضابط إلى أحد أفراد الشرطة باستدعائها,لتشخيص العصابة أنْ كانوا هم قتلة أولادها أم لا؟.نظرتْ إلى ضابط المركز وشرطته ففاضت عيناها بالشكر لهم.مر خاطر على ذهنها إذ تذكرتْ ابنها منهلا كان يحلم أنْ يكون ضابطا مثله،لكن البستان شغله فآثر أن يتوفق أخوته الذين يصغرونه سنا ويحققوا حلمه.لقد أخذوه غدرا فسلاحه معه حتى في منامه!!
- أمي ..هؤلاء العصابة أمامك. اقتربي منهم وعاينيهم أهم قتلة أولادك؟
انتبهت لصوت الضابط. دنتْ منْ أولهم رمته بنظرة متفحصة: إلى وجهه الشاحب وعينيه الزائغتين ولحيته الشعثاء وشعره الملبد الوسخ.تذكرت هذه السحنة الشائهة .قالتْ في نفسها مؤكدة :- هو..هو.. لن أتوه عنه
مرت على خاطرها تلك الذكرى المؤلمة.مضى شطر من الليل غير قليل ونحن نيام وفجأة دخلوا علينا والشرفي عيونهم وسلاحهم مشرع وهذا الكلب وضع بندقيته في صدر منهل ولدي الكبير الذي كان نائما وقال له بصوت أجش:
-أنهض ..أحذر أن تمد يدك إلى سلاحك
فز ولدي فزعا ممتقع الوجه.رأى أسلحتهم مشرعة في صدور أخوته فأسقط في يده.قاده إلى سيارتهم الواقفة في باب البستان حيث يحرسها أحدهم
- هه ...ماما ؟
انتبهت إلى الضابط .ألقت إلى المجرم نظرة مملوءة غضبا لكنه لمْ يجرأ أن يرفع رأسه ويواجهها.تخطته إلى الآخر ولمْ تقل شيئا. وقفت تجاهه.حدجته بعداء.هزت رأسها،لقد عرفته قالتْ لنفسها:- هذا منْ وضع الرشاشة في ظهر ماجد وقاده لسيارتهم.
تحولت نحو الثالث.عرفته:- هذا منْ وضع سلاحه في ظهر فاضل وقاده.
ألقت نظرة على الذي يليه.عرفته.قالت في نفسها والغيظ يأكل قلبها:
-هذا من ضرب أكرم بأخمص بندقيته حينما تلكأ في سيره.فكرت:هؤلاء المجرمون قتلة أولادي,لن أتوه عنهم ولو بعد مئات السنين.الذي قاد أكرم عاد إلى ولدي الصبي جودي:- أمي!!
وكان لائذا ومتشبثا بي وهو مرعوب. فهم أن ينتزعه مني. صرخ الصبي مستنجدا بي ثانية فدافعت عنه بضراوة.فخف له صاحبه وضربني من الخلف بأخمص بندقيته على كتفي رغم ألمي صرخت به:
- أنا أخت سالم تضربني يا جبان!!
فهم أنْ يضربني ثانية،لكن ملثما منهم كان واقفا بينهم من دون أن يشاركهم.هجم عليه
وحاول أنْ يخنقه ببندقيته وقال له مزمجرا ومحذرا: - أذا مسستها هي والصبي بسوء سأقتلك..نعم سأقتلك
حيل بينهما ولم يدع أحدا يقترب مني أو من الصبي.أدهشني موقفه.رغم خوفي على أولادي, كنت ألقي نظرة عليه بين الفينة والفينة. فكرت فيه: صوته عيناه جبهته لم تك غريبة علي.لقد خطر على بالي أخي سالم،لكني استبعدت الفكرة حقا أنه غاب عنا عدة أشهر خمنا: ربما ذهب إلى أقليم كوردستان لتوفر العمل لديهم
-هه .. أمي ؟ تنبهت.دنت من آخرهم رأته,عرفته.أذهلتها المفاجأة،بل صدمتها.غمغمت بحرقة وألم - أنت!!؟
تفرستْ فيه.أربد وجهها،دارت الدنيا بها،تفصد وجهها الأبيض عرقا.شرد ذهنها المحموم...لا يمكن أن أصدق ابن والدي ذباح؟ مع زمرة مجرمة..من كان حصتك؟ ماجد ،أكرم ،فاضل أم منهل،الذي رضعت معه.كيف واتتك الجرأة وأتيت بهم إلى أبناء أختك.وأرهفت مديتك عليهم وذبحتهم, لكن على أية قبلة.كل الملل تأبى إراقة دماء الأبرياء.آآآه..يا أمي.ليتك على قيد الحياة وترين طفلك الذي كان يحبو وأوصيتني به وأنت على فراش الموت : يمه.أم منهل سالم وديعتك سينفع منهلا عندما يكبر.أترك ولدي جائعا والقمك ثديي.أقول:- سيكبر ويعين أولادي في القابل من أيامي.
كان مطأطئا رأسه ويعض شفته اليابسة.يشعر بالندم يلذع قلبه.تجرأ ورفع وجهه نحوها لمح دموعها تنحدر على خديها.لم يتمالك نفسه فخنقته عبرته.مرت الخواطر على ذهنه.زفر بحرقة..آآآه لو تعلمين كيف خدعت!!؟ وغرر بي بالمال حينا وبالكذب أحيانا.وحينما أطلعت على حقيقتهم قتلة"ولصوصا.اكتشفت ذلك متأخرا،بعدما غصت معهم في وحل الجريمة والسرقة إلى الركب. بدأت.أتململ وأتمرد عليهم وفكرت بتسليم نفسي إلى الجهات الأمنية وأكشف عن جرائمهم .شعروا بنيتي.عزموا على الانتقام مني،فاختاروا بيتك بالذات لا ليقتلوا أولادك فحسب بل ليفعلوا معك أبشع من القتل.سايرتهم حتى أجد خلاصا منهم،لكنهم سبقوني..أبصقي علي احتقريني اخبري الشرطة عني..أرجوك..ارجوك أنني اتعذب
مضى في خواطره حتى أنهار و جثا على ركبتيه. أخفى وجهه الأسمر الملتحي بين يديه ليخفي دموعه. هوى على قدميها ليلثمهما،لكنها جفلت وتراجعت وقد تقلص وجهها اشمئزازا
- هه.. أمي ؟
انتبهت لصوت الضابط ،حولتْ وجهها نحو وجهه السمح وهي تمسح دموعها. فقرأ فيه الحيرة والعذاب والألم.هزتْ رأسها نافية.حملت أحزانها وجرح قلبها الناغر.خرجت بصمت من المركز إلى مكانها اليومي إلى ضفة النهر لتنتظر هم لعلهم يعودون.فهي منذ صباح اليوم الثاني لقتلهم وهي تواصل الذهاب إلى نهر دجلة,لتجلس,وتسرح الطرف بأمواجه التي حملتهم مضرجين بدمائهم, حتى يحتضن الظلام القرية.تتذكر صبيها الوحيد جودي فتشفق عليه.تنهض يائسة بائسة وتعود إلى بستانها.هذا ديدنها, لكن حادثا هزها وأرعبها وهي تعود ذات مساء.فرأته قد تسلق بمهارة أحدى نخلاتها السامقة فدقت صدرها مرعوبة وخفت إليه مسرعة وصاحت :- يمه ..جودي ..أنزلْ
أجابها مبتسما :- ألقح نخيلي كما علمني أخي منهل
اختلطت في نفسها مشاعر الفرح بالحزن بالخوف.انتبهت إلى البستان وما عراه من إهمال:يبست أوراقه وجفت سواقيه وتهدم حائطه الطيني وانخلع بابه. تذكرت حاله سابقا وعناية أولادها به.كان جنة غناء ثمره يانع وفير الإنتاج .حمدت له هذه الالتفاتة.لا مت نفسها على إهمالها لبستان ولدها.عزمتْ على أن تشمر عن ساعدها غدا معه. لقد أيقظ في بدنها قوة دفينة لا عهد لها بها.نزل حذرا من النخلة وقلبها متعلق به. لثمت رأسه بحنان. قال لها ممازحا: - بقراتك فرحن بك !!
ابتسمت له شعرت بالذنب إزائهن. خفت إلى الجردل وملأته ماء قربته من البقرات.خطر على بالها أدوات العمل:بحثت عن المجرفة والرفش والمنجل وتبلية صعود النخلة ستلتمس نجارا غدا ليصلح الباب وتبني كل ثلمة في السياج وتجعله عاليا...عاليا و عصيا على اللصوص والقتلة
تعليقات
إرسال تعليق