الوتر الثاني/ الموسيقى؛؛؛؛؛ بقلم ابو اكبر فتحي الخريشا
★ الوَترُ الثانِي ★
ٱنكفِؤا مَا ٱستطعتُمْ يا أيُّها الناسُ عن تأليفِ الأنغامِ التي تنحر قلوبَكُم على مذابحِ شجوِ الأحزانِ وتسلِم أرواحكُمْ لقمقمِ نكدِ الضِّيقِ والسيرُ في كتلِ سُخْمةِ الدخانِ وإهراقِ سخِين الدُّموع لخيبةِ يَأسٍ وهزالٍ من خورِ ضعفٍ، لأنَّ الموسيقىٰ كذلك تتدفق من ينبُوعِ الأفئدةِ المتدفقُ في كلِيَّةِ ذواتِكُم كمَا نامُورُ القلبِ في الجَسَدِ وكذا تكشف شغف ميولِكُم لِولعِ رغبةٍ تأجَّجة فيها حرورةُ نهمةِ العناقِ، تضعونها مَا يجيشكم من ٱضْطِرابِ ٱنحِدارٍ وهدوءِ صعودٍ على دربِ مَا تنزع إليهِ نفس وتحمس فيهِ من أمنياتٍ وأحلامٍ وأهواءٍ وشهوات، فٱجعلوا أغلب موسِيقاكُم لنشوةِ الفرح تسر أنفُوسُكُم، ولا ضير على أحدٍ يمتح قليلا من أنغامها الحزينة على أوتارِ شهيقِ الإِرنانِ على أنْ لا تتطرفوها فتحيلُ حياتَكُم لعناءِعذابٍ وبلاءِ شقاءٍ، فمَا تدهور وتردَّىٰ على أمواجهَا إلّا عليهِ الشَّفقة ومستحق الرثاء.
ٱسمعوا ما يَسركم لبَهَاءَةِ عيشِكُم وٱرقصوا على أنغامِ الإيقاعاتِ الشَّادِيةُ حسن جمالِكُم وبَهجَةَ الحيَاة.
إنَّ الموسيقىٰ يعلو تألقها من زاهرةِ فرحٍ تتسامق من نضارةِ أنفسٍ تحيا في صفاوةِ الاِجْتِماعِ.
المُوسيقىٰ لغة العالم، حلمُ النورانيين أنْ يصير النّطقُ بلغةٍ واحدةٍ على لسانِ البشرِيَّة، مَا أنْ يهتز لبديعها السمع حتىٰ يدهش العقل من رواءِ الفهمِ على أجنحةِ التأملِ مسلما أمرها إلى النفسِ الوجدانِيَّةِ التي تصير زهرةً متفتحة الأكمامِ تتساقط عليها الأنغام كالندىٰ الرطبِ برحيقِ الحبِّ، إنَّهَا تمنح كلَّ مَنْ تجلّاهَا ترامِي الروح لأبعادها القصِيَّة في تآلفٍ مع الوعي لإدراك مَا ٱحتجب من آفاقِ مداياتِ فطنةِ الفهم.
إِنَّهَا السواقِي الجارِية في حقولِ النفوسِ تورقُ الٱخضِرار ورائِعات الزّهُورِ، تبعثُ الدفءَ في العظامِ التي ينخر فيها البرد كالموقدِ المشتعلِ بنارٍ وجمراتٍ حواليهِ الأهلُ الأحِبَّة في موسمِ الشتاءِ يصطلون لطفِ الوهْج.
إِنَّهَا تجمع الناس على ٱختلافِ ألسنتِهم في حدائِقِ وبساتِينِ قلبهَا، ويْسًا لمريعِ حالهم ونعمة وهُمْ جَالسِينَ بِاِنتباهٍ على أجنحةِ سكرةِ الرُّوح ومنجذبين بحُريةِ أسفارٍ تجنحُ على سلالمِها المختلفة ألوانها بعبقِ أريجِ شذاها من أطياب مسك وعنبر ولبان وياسمين ونرجس وبخور ورياحين، ومتعانقين هائمين في عراءِ سِحرِ مقاطعِهَا الساكبة في صدورِهِمْ ٱمتلاءات نشْوة الحبِّ ومسرة بهجةِ الحرية، وقلوبُهُمْ ترقص متمايلة بسرور ٱنْشِراحٍ ومن عمقِ أفئِدتِهَا مِن حلاوةِ الأنغامِ تفيض بِهَناءَاتِ الأفراح.
يَا للمُوسِيقىٰ من لغة تُصيّرُ عُشاقها مُتأمّلِين في صوامعِ مَعابدِهَا بأوارِ تعطشٍ للتوحدِ في النّورِ، إنَّها تطلُّ عليهم بإبداعاتِ إشْرَاقاتِهَا فيفيضُون بيقظةِ العرُوُجِ لِسَامِيةِ كلِّ عليَاءٍ، ومَا من شيءٍ من فيضِ الإشراقِ إلّا وينطقُ عذوبة مُوسِيقىٰ منبعثة بغبطةٍ ومتدفقة بنِعمَةٍ تسبحُ الإبداع المُبهر العظيم المنبثق من بدائِعِ قدسِيَّةِ وَضَّاءِ الجَمَال.
إنَّها المطرُ على الأرضِ المتشققة لِسُقيَاهَا، إنَّهَا تعطي الاِرْتِوَاء للبذارِ وتحيي الثمَارَ الطيبةِ المُشتهاةِ على عساليجِ الأشجار.
إِنّهَا اللّذةُ التي تُسرِيُ في أوصالِ الجسدِ الرَّعشاتَ فتطلقُ من الأقفاصِ الطيورَ الأسِيرَةَ لفضَاءَاتِ أشَجَارِ السُّهُوبِ وكذا لتعانق الذرىٰ في الأعالِي، مُتعَة تجعل مَسكن الرُّوْح ممتدًا على أجْنُحِ الحُرِّيَّةِ والجَمَالِ إلى اللانهائِيات.
يَا للمُوسِيقىٰ كيف تجمعُ مُبدعِيهَا في جَوقةٍ مُنسجمَةٍ مُتآلفةٍ في فضَاءِ نبضِ قلبٍ وَاحدةٍ بأفئدةٍ مشدودةٍ إليهِ على مَا ٱنفردت في تحلِيقٍ كمثلِ عسَالِيجٍ على مَا ٱنتفشت مُقترنة بالسَّاق ومَا منهُ اِنْفرَع، مَا من شيءٍ غيرهَا يفعلُ ذلك لولا أنَّ الإنسَانَ أحايين كثيرة لا يغفل إنسَانِيَّتهُ تائِهًا عن سِرِّ ٱنْبِعاثِهِ في الحيَاة مَا ضلَّ عن رَوْعةِ بُهَارِ أنوارِهِ ومَا تاهَ فاقد الأصْواء حواليهِ عن الاِنْشِرَاحِ في أيٍّ مِن نِعْمَةِ وهَناءِ جَمَالٍ.
مَا لغاتُ الإنسَانِ ولهجاتهُ إِلّا سمفونِيات من المُوسِيقىٰ إذ أنْ أصل كلِّ حرفٍ في أيّ لغةٍ إيقاعٍ من مُوسِيقىٰ، وكذلك الكلمة نغمة مرسلة إلى واعية السَّمَاعةِ، أوليست كلّ لغة وِلدت من رِحْمِ المُوسِيقىٰ، فأجملُ اللّغاتِ وأعظمهَا آصرةٍ على ألسنة ناطقةِ البَشرِ تلك التي أبدعت فيها مُوسيقاهَا من صُلبِ حَذاقةِ الإتقانِ عَالِيًا في حُضْنِ بَرَاعَةِ الاِنْشَاءِ.
المُوسِيقىٰ أصوات تطلقها بعض الأشيَاءُ أيّ كانت من المكوناتِ إنْ مَجهُورَة بصخبٍ أو مَهْمُوسَة بهدوءٍ كهزيمِ الرَّعدِ والمطرِ وكخريرِ المَاءِ وحَفِيفِ الأشجَارِ وقصفِ العواصِفِ وهديرِ البَحرِ وكذا زئِير الأسودِ وتغاريد العصَافِير، لأنَّ المُوسيقا كامنة في كلِّ الأصوات تهبط أو ترقىٰ تبعًا لذوقِ السَّامعِ نفسهُ ولِجَمَالياتِ ٱنْبِعاثاتِ الأصواتِ أو مَا قد يرافقها أحيانا من تغيرات على سَلالِمِ صِفاتِهَا، أفمَنْ يُصغي لمورِ هديرِ تلاطمِ أمواجِ البَحرِ أو لنداءاتِ وأغانِي الطّيُور بعمقِ تأمُّلِ مَا تطويهُ من زواهِرِ أبْعادٍ مثل الذي تقع عليهِ الأصوات ولسَانهُ في ٱتِّصَالِ دورانٍ على أخلاطِ ثرثراتٍ أو كالذي هو مشغولٌ باللّعبِّ حول الأشجارِ أو فوق الرَّمَالِ.
وليس تآلِيفُ البحرِ حين هدوئِهِ كهَوَائِجِ ثورةِ ٱضطرابِ الأنواءِ بهدير المور، كلٌّ لِمَكانةٍ في النَّفْسِ وعلى مَا فيها ترومُ من تجلياتٍ.
تعلو المُوسيقا أكثر وتمتد مداياتها في المُصغي حين قلبهُ مُتفتحًا عليها بأكيدِ حُضورٍ ونفسُهُ معانقة أوْجَ ٱشتِعَالِهَا ورُوْحُهُ مُخيمة عليهَا بالمَحَبَّةِ.
أليس الحرِيُّ أنْ تُسمع المُوسِيقىٰ بقلوبٍ هائمتها بوَجدٍ يَتوقدُ فيهَا بشغفِ الٱرتِبَاطِ، فتقدم فيهَا أيُّها المُصغي عذوبة ألطافِهَا متغلغلهَا كمَا يَتغلغلُ الضِّياءُ في دقائِقِ الأثِيرِ، ثمَّ دعْ نفسك فيهَا مطلقة من قيودِهَا في نشوةِ تسابيحِ الاِنْعِتاق والحُريةِ، تجولْهَا مُتموجها بِبَهِيجِ نظرٍ وآسِرِ ٱنْجِذابٍ وبَهِيِّ ٱخْتِلابٍ، وكُنْ بكُلِيَّة ذاتِكَ شراعًا فيهَا مُبحرًا أو طائرًا حُرّا فيها مُحلقا لِكُلِّ مُتألِقِ إِشراقٍ في عوالمِهَا المُغرية في شدِّ زمام الترحَالِ، إنْ تُبصرهَا لا ريب تبدأ أنْ تعطيك من أثمانِ كُنُوزِهَا مَا يَمنحك ٱمْتِلاك وُجُودَكَ لمزيدِ عظيمِ ثراءٍ وٱشتِعالاتِ أسرارٍ تحيي عَطِيَّة رُؤىٰ مُدهشات الرّنوِ لِمديدِ أنْعُمِ حيَاة مَا كان ليحوزها إلّا صِنْو كلّ مُضطرِمٍ في سَابِحَاتِ بَدِيعِ النّغم.
إنَّ ذروة الكلام أنْ يقال شعرًا بِحُسَّانِ حِكمَةٍ وصَفاءِ جَمَالٍ على كلِّ مَا يقف عليهِ، أو نثرًا مكثف المعنىٰ ومتآلف اللّفظِ يحدوهُ عذوبة الحُسن ومُحكم البَيان، وهلْ هنالك شِعر دون أنْ ينهلَ من رُوحِ المُوسيقىٰ على مَا أظهرَ من حرفٍ من جهرٍ أو مَا أبْطنَ في لبِّ حركاتِهِ من أسرارٍ، أمْ هنالك نثرٌ جميل من مثل آيات البَيان دون علوِّ فاتِنةِ المُوسِيقىٰ العالية ببهرةِ الإبداع، إنَّ كلَّ الكلام برمتِهِ من مخارج مُوسِيقىٰ فأنّىٰ لهُ إلّا وأنْ يكُون كذلك، لوْلا كلٌّ بسَمَاعتِهِ على مَا ينطق ولا يغفل أنّهُ الحرِيُّ المُلحنُ المُبدعُ، ولكن الكلام لا يَرقىٰ على درجاتِ المَلاحةِ إلّا حين يَتزن موزونًا بأنيقِ مُوسيقىٰ أفضلهَا مَا لمْ يتقولب في قوالبٍ محدودةٍ بأسقفٍ وقبابٍ بل قدّام تراتيلا حُرّة عن الأحجامِ والٱنكِفاءِ ومُسافِرة في ديمومةِ ٱرتحالٍ بأجنحةِ الحُريّة في فضَاءَاتِ كلّ أخَّاذ جَمَال.
فٱجعلوا جميل إيقاعاتِ المُوسِيقىٰ على ملفوظِ كلامِكم تنحبر أسماعكُم ويسهل أكثر على عُقُولِكُمْ أن تفقهه لمشرقِ وَاعيةِ لافظةٍ بمَا تفيض، ولكن ليحاذر كلُّ مُستيقظٍ فطِنٍ من مُخدرِ كلّ مُوسِيقىٰ أنْ يلقىٰ بهِ في ظلمَةِ الأضَالِيل عبدا في أقبية التأفيك والأباطيل، فمَا أبرمت أخيلة المُجُون مع المُوسِيقىٰ عهودًا إلّا لسحرِ السَّيطرة على النفوسِ كأبّهةِ مباني الفِسْقِ وزخرفِهَا لأبهَارِ العيون لتنكِيسها على مَا فرشت من بُسُطٍ وما رفعت من مناضدٍ.
ٱعملوا على تنقيةِ كلِمَتكُمْ وحركاتِ حُرُوفِهَا من النَّشَازِ الذي يُنفّر السّمع وعن كلِّ بذاءَةٍ وقبح ألفاظٍ، ألآ حلو حروفكم بشهدِ التوافق والتناغم وكذا بالمحبَّةِ والسّلام لتهوي إليها أفئدتكم وآخرون مِمَّن تبلغهم أمواجها أو أنوار مراياها إليهَا كمَا الفراشاتُ للحُقُولِ والنّحلُ للزُّهُورِ يَنجذبُون.
لوْلا تصفو الأذهان ولا تضطرب الأنفسُ وتعلو الذوات لأكثر النّاسِ لٱستوت على ألسنتهُم لغة المُوسِيقىٰ بجماليَّاتِ حُسنهَا ولا أعذب بأجنحةٍ حُرَّةٍ تأخذهم للأعالي بفائِقِ الٱنجذاب ودائمًا لكامِلِ ٱتحادكمْ أجمعين في جَمَالِ الإنْسِيَّةِ النّوراء.
الحريُّ يَا أخي الإنْسَان أنت نُورُ فتيلةِ المِصْبَاحِ والتّردِي ليس فيكِ بلْ في السِّناجِ الذي تراكم على الزُّجَاجَةِ، فنظفْ نفسَك ليشرق الضِّيَاءُ من رُوحك عليك وكذا فليفيض النّور كمَا مِنك عَليك على الآخرِينَ، وكذا الحريُّ ودائمًا تتزود بطاقةِ أنوارِ المَحَبَّةِ وبضِيَاءاتِ كلِّ جَمَال لكامِلِ الاشراقِ في ٱلإِنْسِيَّة.
الوتر الثاني من كتاب الموسيقىٰ لمؤلفه :
المهندس أبو أكبر فتحي الخريشا
( آدم )
تعليقات
إرسال تعليق